أحمد مصطفى المراغي

223

تفسير المراغي

« وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ » . وفي إقسام اللّه بها بوصف العاديات المغيرات الموريات - إشارة إلى أنه يجب أن تقنى الخيل لهذه الأغراض والمنافع لا للخيلاء والزينة ، وأن الركوب الذي يحمد ما يكون لكبح جماح الأعداء ، وخضد شوكتهم ، وصد عدوانهم . وقصارى ذلك - إن للخيل في عدوها فوائد لا يحصى عدّها ، فهي تصلح للطلب ، وتسعف في الهرب ، وتساعد جد المساعدة في النجاء ، والكر والفر على الأعداء وقطع شاسع المسافة في الزمن القليل . ثم ذكر المحلوف عليه بتلك الأيمان الشريفة فقال : ( إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ) أي إن الإنسان طبع على نكران الحق وجحوده وعدم الإقرار بما لزمه من شكر خالقه والخضوع له إلا من عصمهم اللّه وهم الذين روّضوا أنفسهم على فعل الفضائل ، وترك الرذائل ، ما ظهر منها وما بطن . روى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « الكنود الذي يأكل وحده ، ويضرب عبده ، ويمنع رفده » أي إنه لا يعطى شيئا مما أنعم اللّه به عليه ، ولا يرأف بعباده ، كما رأف به ، فهو كافر بنعمته ، مجانف لما يقضى به العقل والشرع . وسر هذه الجبلّة - أن الإنسان يحصر همه فيما حضره ، وينسى ماضيه ، وما عسى أن يستقبله ، فإذا أنعم اللّه عليه بنعمة غرته غفلته ، وقسا قلبه ، وامتلأ جفوة على عباده . ( وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ ) أي وإنه مع كنوده ، ولجاجته في الطغيان ، وتماديه في الإنكار والبهتان ، إذا خلّى ونفسه رجع إلى الحق ، وأذعن إلى أنه ما شكر ربه على نعمه ، إلى أن أعماله كلها جحود لنعم اللّه ، فهي شهادة منه على كنوده ، شهادة بلسان الحال ، وهي أفصح من لسان المقال .